المقريزي
283
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وأشعاره كلها حسنة ، وكانت وفاته في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلاثمائة ، وقد ذكر كلا من الماردانيّ وابن حنا والأفضل . وأما ابن مماتي فإنه أسعد بن مهذب بن زكريا بن قدامة بن نينا شرف الدين مماتي أبي المكارم بن سعيد بن أبي المليح الكاتب المصري ، فأصله من نصارى أسيوط من صعيد مصر ، واتصل جدّه أبو المليح بأمير الجيوش بدر الجماليّ وزير مصر في أيام الخليفة المستنصر بالله ، وكتب في ديوان مصر ، وولي استيفاء الديوان ، وكان جوادا ممدوحا انقطع إليه أبو الطاهر إسماعيل بن محمد المعروف بابن مكيسة الشاعر ، فمن قوله فيه لما مات : طويت سماء المكرما * ت وكوّرت شمس المديح وتناثرت شهب العلا * من بعد موت أبي المليح ما كان بالنكس الدن * يء من الرجال ولا الشحيح كفر النصارى بعد ما * عذروا به دون المسيح ورثاه جماعة من الشعراء ، ولما مات ولي ابنه المهذب بن أبي المليح زكريا ديوان الجيش بمصر في آخر الدولة الفاطمية ، فلما قدم الأمير أسد الدين شيركوه وتقلد وزارة الخليفة العاضد شدّد على النصارى وأمرهم بشدّ الزنانير على أوساطهم ، ومنعهم من إرخاء الذؤابة التي تسمى اليوم بالعذبة ، فكتب لأسد الدين : يا أسد الدين ومن عدله * يحفظ فينا سنّة المصطفى كفى غيارا شدّ أوساطنا * فما الذي أوجب كشف القفا فلم يسعفه بطلبته ، ولا مكنه من إرخاء الذؤابة ، وعندما آيس من ذلك أسلم ، فقدّم على الدواوين حتى مات ، فخلفه ابنه أبو المكارم أسعد بن مهذب الملقب بالخطير على ديوان الجيش ، واستمرّ في ذلك مدّة أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وأيام ابنه الملك العزيز عثمان ، وولي نظر الدواوين أيضا ، واختص بالقاضي الفاضل ، وحظي عنده ، وكان يسميه بلبل المجلس لما يرى من حسن خطابه ، وصنف عدّة مصنفات منها : تلقين اليقين فيه الكلام على حديث بني الإسلام على خمس . وكتاب حجة الحق على الخلق في التحذير من سوء عاقبة الظلم . وهو كبير ، وكان السلطان صلاح الدين يكثر النظر فيه ، وقال فيه القاضي الفاضل : وقفت من الكتب على ما لا تحصى عدّته ، فما رأيت واللّه كتابا يكون قبالة باب منه ، وإنه واللّه من أهمّ ما طالعه الملوك وكتاب قوانين الدواوين ، صنفه للملك العزيز فيما يتعلق بدواوين مصر ورسومها وأصولها وأحوالها وما يجري فيها ، وهو أربعة أجزاء ضخمة ، والذي يقع في أيدي الناس جزء واحد اختصره منه غير المصنف ، فإنّ ابن مماتي ذكر فيه أربعة آلاف ضيعة من أعمال مصر ، ومساحة كل ضيعة ، وقانون ريها ومتحصلها من عين وغلة ، ونظّم سيرة السلطان صلاح الدين يوسف ، ونظم كليلة ودمنة ،